الشرق الأوسط

من مربع التمايز المسلح إلى أروقة الدولة: دلالات اندماج «الإدارة الذاتية» في المعادلة السورية الجديدة

تُشكل التصريحات الأخيرة لرئيسة لجنة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية» بـ شمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، انعطافة حاسمة في المظهر الجيوسياسي للأزمة السورية، بإعلانها الصريح عن طي مرحلة «الكفاح المسلح» والعبور نحو مرحلة «الاندماج السياسي» في هياكل الدولة السورية بناءً على أرضية اتفاق 29 يناير. هذا التحول لا يمثل مجرد تغير في التكتيك الإعلامي للفاعلين الأكراد، بل يعكس تحولاً عميقاً في عقيدة التعامل مع المركز في دمشق، وفرضته التغيرات المتسارعة في بيئة الردع الإقليمية والانكفاء التدريجي للغطاء الدولي المباشر.

تحول العقيدة السياسية: من إدارة الميزان العسكري إلى الشراكة المؤسساتية

على مدى أكثر من عقد من الصراع، نسجت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وجناحها السياسي نموذجاً فريداً للسيطرة الميدانية والإدارية شمال شرق الفرات، مراهنةً على معادلة جمعت بين الثقل العسكري المحلي والدعم المباشر من التحالف الدولي. غير أن الوصول إلى صيغة «الاتفاق والاندماج» يعبر عن إدراك متزايد لدى القيادات الكردية بضرورة شرعنة الوجود الإداري والسياسي عبر بوابة العاصمة دمشق.

إن الانتقال من الخطاب المطالب باللامركزية الصلبة أو الإدارة الشبه أمنية إلى خطاب الاندماج المؤسسي داخل الدولة يؤشر على بداية التحلل التدريجي لخرائط السيطرة الفصائلية لصالح إعادة التجميع السيادي.

المحركات الاستراتيجية الصانعة للتحول

  • تغير أولويات الفاعلين الدوليين: إعادة ترتيب واشنطن لأولوياتها في الشرق الأوسط وتراجع رهان الحماية المستدامة للكيانات غير الحكومية.
  • الضغط الإقليمي المزدوج: الهواجس الأمنية المتواصلة لأنقرة وشبكة التفاهمات الإقليمية التي تضغط باتجاه إغلاق الملفات المفتوحة على الحدود السورية-التركية.
  • المعادلة الاقتصادية والتنموية: الحاجة الماسّة لربط المناطق الشرقية ذات الثروات النفطية والزراعية بالمركز الاقتصادي لضمان تدفق الخدمات وتفادي الركود الهيكلي.

حسابات دمشق والشركاء: إعادة بناء جغرافية السيادة

بالنسبة للحكومة السورية، يمثل التوصل إلى اتفاق يتيح دمج «الإدارة الذاتية» مكسباً استراتيجياً متعدداً الأبعاد. فهو يعزز منطق استعادة السيادة الوطنية دون الحاجة إلى مواجهات عسكرية مكلفة في منطقة تتسم بالتعقيد العشائري والديمغرافي، كما يفتح الباب أمام استعادة السيطرة الرسمية على الموارد الحيوية مثل حقول النفط في دير الزور والحسكة وسدود الفرات.

ومع ذلك، تظل عملية الترجمة الميدانية لهذه التفاهمات محفوفة بالتحديات؛ إذ يتطلب دمج الآلاف من المقاتلين ضمن منظومة وزارة الدفاع والداخلية السورية ترتيبات أمنية دقيقة وتوافقات حول عقيدة القيادة والسيطرة، فضلاً عن الملف الدستوري المتعلق بتوزيع الصلاحيات الإدارية في المحافظات الشمالية والشرقية.

خاتمة: مآلات المشهد الجيوسياسي في بلاد الشام

يجسد إعلان إلهام أحمد بداية لمرحلة اختبار حقيقية لمدى قدرة الأطراف السورية على بناء عقد سياسي يتجاوز منطق المغالبة المسلحة. إن نجاح مسار الاندماج سيعيد رسم خارطة التوازنات في بلاد الشام، وقد يشكل نموذجاً لإنهاء حالة التشرذم الجغرافي، شريطة أن تُبنى هذه العملية على توازنات سياسية صلبة تضمن الاستقرار وتمنع عودة الفراغات الأمنية التي طالما استغلتها التنظيمات المتطرفة والقوى الإقليمية المتصارعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *