ثقافة ومجتمع

بين صليل السيف وظلال «حوريات»: تبرئة كمال داود وتفكيك معارك الذاكرة في الفضاء الجيوثقافي الفرنكو-جزائري

لم تكن تبرئة محكمة الجنح في العاصمة الفرنسية باريس للكاتب والروائي كمال داود من تهمة التشهير مجرد فصل إجرائي في نزاع قضائي بين أفراد، بل شكلت محطة مفصلية تُسلط الضوء على التقاطعات المعقدة بين الخيال الأدبي، والتاريخ التروماوي الممتد، والتوازنات الجيوسياسية الشديدة الحساسية بين فرنسا والجزائر. فالقضية التي رفعتها المواطنة الجزائرية سعدة عربان، متهمةً داود بالاستيلاء على مأساتها الشخصية خلال سنوات «العشرية السوداء» وتوظيفها دون إذن في روايته «حوريات» المتوجة بجائزة غونكور المرموقة لعام 2024، قد نقلت الصراع من أروقة المحاكم إلى الفضاء الجيوثقافي والدبلوماسي الواسع.

الخيال الأدبي في مواجهة الرقابة: أبعاد القرار القضائي

يمثل حكم التبرئة الصادر عن القضاء الفرنسي تأكيداً قانونياً على استقلالية العمل الإبداعي وحماية المساحة الفاصلة بين الحقيقة التاريخية الموثقة والتمثل الروائي الفني. أرجعت المحكمة قرارها إلى غياب العناصر المادية والتأسيسية لتهمة التشهير، محددة أن النص الروائي يتجاوز المطابقة الواقعية الصارمة ليصوغ رؤية جمالية وفلسفية للمأساة الإنسانية.

«إن تحويل الألم الإنساني الصامت إلى نص أدبي لا يمثل مجرد خيار جمالي، بل هو عمل تفكيكي يستفز الروايات الرسمية الصارمة، ويضع حرية التعبير على خط تماس مباشر مع السياسات السيادية للذاكرة.»

تكمن المفارقة في أن رواية «حوريات» تتعامل مع حقبة العنف الأعمى التي شهدتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي؛ وهي حقبة تحكمها في الداخل الجزائري قوانين صارمة تمنع نبش جراح تلك الفترة أو المساس بالرواية الرسمية للمصالحة الوطنية، مما جعل تداول الرواية خاضعاً لمنع رسمي. بالتالي، أضحت التبرئة في باريس بمثابة صدام صامت بين منظومتين مفاهيميتين: منظومة غربية تمنح الأولوية للمطلق الأدبي وحرية التعبير، ومنظومة مغاربية رسمية تعتبر الصدمات الوطنية جزءاً من الأمن القومي الذي يحظر توظيفه خارج الأطر السيادية.

«حرب الذاكرة» واستعادة التوتر على خط باريس-الجزائر

لا يمكن فصل هذا المسار القضائي والأدبي عن سياق العلاقات الثنائية المضطربة بين الجزائر وباريس، حيث تظل ملفات الذاكرة والاستعمار والعشرية السوداء ورقة ضغط سياسي واستراتيجي متبادلة. فعندما ينال كاتب مغاربي يكتب بالفرنسية أعلى شرف أدبي في فرنسا عبر رواية تفكك جراحاً داخلية، يتحول الإنجاز الثقافي تلقائياً إلى مساحة للتجاذب الجيوسياسي:

  • تسييس الفعل الثقافي: تنظر بعض الأوساط السياسية والإعلامية في المحيط الإقليمي إلى الاحتفاء الغربي بالرواية باعتباره انحيازاً أيديولوجياً وتوجيهاً للقوة الناعمة ضد الروايات الوطنية الرسمية.
  • إعادة صياغة الهوية الفرنكوفونية: يؤكد صعود داود وغيره من كتّاب شمال أفريقيا أن الأدب الفرنكوفوني لم يعد صدى لباريس، بل أصبح مركز ثقل يفرض قضايا جنوب المتوسط على الأجندة الثقافية والسياسية الأوروبية.
  • المأزق التوثيقي للضحايا: تبرز القضية معضلة أخلاقية وجيوثقافية حول حقوق الضحايا الحقيقيين في امتلاك سردياتهم في مواجهة قوة النص الأدبي وحصانته الدولية.

القوة الناعمة وآفاق التدافع الثقافي في المتوسط

تظهر هذه القضية أن المعارك الجيوسياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط لم تعد تقتصر على ملفات الطاقة، والهجرة، والأمن العسكري، بل امتدت بقوة إلى معارك السرديات والذاكرة الجماعية. إن كتابة التاريخ وتوثيق مآسي الشعوب بواسطة الأدب تعيد رسم خرائط النفوذ الرمزي، حيث تصبح الجوائز الأدبية والأحكام القضائية أدوات تشكل الرأي العام المتبادل بين ضفتي المتوسط.

مآلات مستقبلية

في الخاتمة، تكرس تبرئة كمال داود واقعاً جديداً يفرض على صناع القرار والمحللين الاستراتيجيين قراءة التحولات الجيوثقافية بجدية لا تقل عن الملفات السياسية الصلبة. ستظل رواية «حوريات» والقضايا المثارة حولها نموذجاً صارخاً لكيفية تحول النص الأدبي من كتابة فردية إلى وثيقة صراع إقليمي، تتشابك فيها العدالة وحرية الفكر مع رهانات السيادة واستقلالية السرد المغاربي في الفضاء الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *