الشرق الأوسط

مأزق “الدولة واللا-دولة” في بلاد الرافدين: هل ينهي الانسحاب الأمريكي حقبة السلاح المنفلت في العراق؟

مقدمة: لحظة الحقيقة الجيوسياسية في بلاد الرافدين

يمثل الإعلان العراقي الأخير حول الاستعداد لتجريد السلاح غير الرسمي، تزامناً مع ترتيبات الانسحاب العسكري الأمريكي، منعطفاً استراتيجياً بالغ الأهمية في تاريخ العراق المعاصر. لعقود طويلة، ظل مفهوم السيادة في العراق مجتزءاً، تتقاسمه الدولة بمؤسساتها الدستورية من جهة، وفصائل مسلحة عابرة للحدود تفرض أجنداتها السياسية والعسكرية تحت لافتات متعددة من جهة أخرى. اليوم، يضع هذا التطور بغداد أمام مواجهة مباشرة مع معضلة “الدولة واللا-دولة”، وهي مواجهة لن تحدد مستقبل العراق الأمني فحسب، بل ستعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي في منطقة الهلال الخصيب بأكملها.

سقوط ذريعة “المقاومة” ومأزق الشرعية البديلة

لطالما اتخذت الفصائل المسلحة الحليفة لطهران من الوجود العسكري الأمريكي في القواعد العراقية مسوغاً أيديولوجياً وسياسياً للاحتفاظ بترسانتها العسكرية الضخمة خارج إطار سيطرة القائد العام للقوات المسلحة. ومع بدء العد التنازلي للانسحاب الأمريكي، تسقط هذه الذريعة تلقائياً، مفسحة المجال أمام استحقاق وطني ملحّ: كيف يمكن تبرير وجود جيوش موازية في ظل غياب أي قوات أجنبية؟

إن نزع السلاح غير الرسمي لا يمثل مجرد إجراء تقني أو أمني، بل هو عملية إعادة هيكلة جذرية لموازين القوى الداخلية، وتفكيك لبنية النفوذ التي تشكلت في مرحلة ما بعد عام 2003.

تدرك الحكومة العراقية أن بسط احتكار الدولة لوسائل العنف الشرعي هو المدخل الوحيد لبناء دولة قادرة على جذب الاستثمارات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تصطدم بعقبات هيكلية؛ حيث تغلغلت هذه الفصائل في مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية، وباتت تمتلك أجنحة برلمانية مؤثرة قادرة على تعطيل أي قرار سياسي يهدد وجودها المسلح.

التوازنات الإقليمية وحسابات طهران وواشنطن

لا يمكن فصل ملف السلاح المنفلت في العراق عن الصراع الجيوسياسي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. بالنسبة لطهران، يمثل العراق الرئة الاقتصادية والعمق الاستراتيجي الذي يربطها بالبحر الأبيض المتوسط عبر سوريا ولبنان. وبالتالي، فإن تجريد الفصائل الولائية من سلاحها يعني تقليص أوراق الضغط الإيرانية في أي مفاوضات مستقبلية مع الغرب.

  • الموقف الإيراني: يسعى للحفاظ على صيغة “الدولة الهجينة” في العراق، حيث تتوفر حكومة مستقرة تضمن تدفق الأموال، بالتوازي مع وجود فصائل مسلحة تحمي المصالح الاستراتيجية لطهران.
  • الموقف الأمريكي والغربي: يرى في الانسحاب العسكري فرصة لاختبار جدية بغداد في فك الارتباط بالتبعية الإقليمية، وربط الدعم الاقتصادي والدبلوماسي بمدى قدرة الدولة على حصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية.
  • العمق العربي والخليجي: يراقب بحذر؛ إذ يمثل استقرار العراق وسيادته صمام أمان للأمن القومي العربي، وشرطاً أساسياً لنجاح مشاريع الربط الكهربائي والاقتصادي الطموحة.

سيناريوهات المواجهة والاحتواء: مآلات الصدام المؤجل

تتأرجح السيناريوهات المستقبلية لعملية تجريد السلاح بين الاحتواء الناعم والصدام المسلح المباشر. يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو اللجوء إلى “التفكيك التدريجي” عبر دمج العناصر المنضبطة في الأجهزة الأمنية الرسمية (الجيش والشرطة الاتحادية)، مع تجفيف المنابع المالية للشبكات الاقتصادية التابعة للفصائل الرافضة للاندماج. ومع ذلك، يظل خطر الانزلاق نحو مواجهات موضعية قائماً، خاصة إذا ما شعرت بعض الأطراف المسلحة بتهديد وجودي لمصالحها.

خاتمة: نحو سيادة كاملة أم تكريس للنموذج الهجين؟

في الختام، يقف العراق اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة. إن الانسحاب الأمريكي لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة، بل ينقل الصراع من طابعه الدولي إلى طابعه الداخلي الصرف. إن نجاح بغداد في فرض سيادة القانون وتجريد السلاح غير الرسمي سيكون الاختبار الحقيقي لصلابة الدولة ومؤسساتها، وبدون تحقيق هذا الهدف، سيظل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية ومحكوماً بنموذج الدولة الهشة التي تتقاسم السيادة فيها قوى السلاح والسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *