رماد التهدئة المتطاير: أبعاد التصعيد العسكري في مأرب وتعز ومأزق التوازنات الإقليمية في اليمن
لم يكن تجدد المعارك العسكرية الضارية على جبهات مأرب وتَعز ولَحج مجرد مناوشات حدودية عابرة، بل هو مؤشر جيو-استراتيجي بالغ الدلالة على تصدع جدار التهدئة الهش الذي خيّم على المشهد اليمني منذ أشهر. إن سقوط عشرات القتلى والجرحى من منتسبي القوات الحكومية ومسلحي جماعة الحوثي، بما في ذلك قيادات ميدانية بارزة، يعيد تسليط الضوء على الجغرافيا اليمنية ليس فقط كساحة حرب أهلية مستعصية، بل كحجر زاوية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي المطل على مضيق باب المندب والخليج العربي.
تفتت جدار التهدئة الهش وسياقات التصعيد الميداني
تكتسب الجبهات التي شهدت التصعيد الأخير رمزية استراتيجية فائقة الأهمية في هندسة الصراع اليمني:
- جبهة مأرب: تمثل العمق الجيواقتصادي للدولة اليمنية بفضل ثرواتها النفطية والغازية، وتعتبر السيطرة عليها أو تهديدها ورقة ضغط حاسمة لفرض شروط سياسية واقتصادية على أي طاولة مفاوضات مستقبلية.
- جبهة تعز: تعكس مأساة الحصار المستمر، وتمثل عقدة جغرافية تربط الشمال بالجنوب، حيث يسعى كل طرف لتحسين تموضعه الميداني لكسر حالة الجمود العسكري.
- جبهة لحج: تشكل البوابة الشمالية للعاصمة المؤقتة عدن، ويمثل التصعيد فيها تهديداً مباشراً لعمق السلطة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي.
إن هذا التحرك المتزامن على محاور متباعدة جغرافياً يشير إلى قرار استراتيجي لدى جماعة الحوثي باختبار جهوزية القوات الحكومية، ومحاولة إحداث خروقات ميدانية تعيد رسم خطوط التماس بما يخدم مصالحها التفاوضية.
“إن اشتعال الجبهات الداخلية في اليمن يتجاوز كونه صراعاً محلياً على السلطة، ليصبح مرآة عاكسة لمدى التزام الأطراف الإقليمية بمسارات التهدئة الشاملة في الشرق الأوسط.”
الحسابات الإقليمية والدولية: لعبة المحاور وضغوط الطاقة
لا يمكن فصل هذا التصعيد الميداني عن السياق الجيوسياسي الإقليمي الأوسع. فاليمن يقع في قلب التجاذبات الإقليمية بين الرياض وطهران، في وقت تسعى فيه المملكة العربية السعودية جاهدة لتأمين حدودها الجنوبية وإغلاق ملف الحرب عبر قنوات دبلوماسية معقدة. من جهة أخرى، يرتبط السلوك العسكري للحوثيين بمدى توتر أو انفراج العلاقات الإقليمية والدولية، لاسيما مع استمرار أزمة الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
يرى مراقبون أن التصعيد الحالي قد يكون رسالة إيرانية غير مباشرة عبر وكيلها المحلي، تهدف إلى تذكير القوى الإقليمية والدولية بالقدرة على تفجير الساحة اليمنية بالكامل إذا ما تعثرت ملفات أخرى في المنطقة، أو كأداة للضغط لرفع الحصار الاقتصادي والمالي المفروض على مناطق سيطرة الحوثيين.
مآلات الصراع المفتوح وسيناريوهات المستقبل
أمام هذا الواقع الميداني المتفجر، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة اليمنية:
السيناريو الأول: الانزلاق نحو مواجهة شاملة
يتمثل في انهيار تفاهمات التهدئة بالكامل وعودة العمليات العسكرية الواسعة النطاق، مما يهدد بنسف كافة الجهود الدبلوماسية التي تقودها الأمم المتحدة والوساطة العمانية.
السيناريو الثاني: الاستنزاف المتبادل والجمود النشط
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر المناوشات والاشتباكات المتقطعة دون رغبة أي من الطرفين في الذهاب إلى حرب شاملة ومكلفة، مع الاحتفاظ بجهوزية قتالية عالية لتحسين شروط التفاوض السيادي والاقتصادي.
السيناريو الثالث: نجاح الضغوط الدبلوماسية
أن تنجح القوى الإقليمية والدولية في احتواء التصعيد الحالي وإجبار الأطراف على العودة إلى مسار التهدئة، وربط الملف العسكري بملفات الرواتب والمعابر والمطارات كحزمة واحدة للحل المستدام.
في الختام، يظل الداخل اليمني ساحة بالغة الحساسية وقابلة للانفجار في أي لحظة، مما يؤكد أن استقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه دون تسوية سياسية شاملة وعادلة تنهي مأساة اليمن وتضمن سيادته ووحدة أراضيه.
