طفرة المكررات العُمانية: كيف تصيغ مسقط جغرافية الطاقة الجديدة بعيداً عن مضائق القلق؟
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار المراقبين الدوليين نحو بؤر التوتر العسكري والسياسي في الشرق الأوسط، تكشف الأرقام الاقتصادية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة عُمان عن تحول هيكلي صامت ولكنه بالغ الأهمية في جغرافية الطاقة الإقليمية. إذ سجل مؤشر أسعار المنتجين في السلطنة ارتفاعاً قياسياً بنسبة 32.7% خلال الربع الثاني من عام 2026، مدفوعاً بقفزة نوعية في أسعار النفط والغاز بنسبة 31.9%، والأهم من ذلك، انفجار في أسعار المنتجات النفطية المكررة بنسبة بلغت 88.2%.
“إن هذا الصعود الحاد في عوائد التكرير لا يعكس مجرد طفرة سعرية عابرة في أسواق الخام، بل يترجم نجاح الاستراتيجية العُمانية طويلة المدى للهرب من لعنة تصدير المواد الخام نحو توطين سلاسل القيمة المضافة.”
العين على الدقم: من تصدير الخام إلى سيادة التكرير
لسنوات طويلة، ظلت سلطنة عُمان تلعب دور المنتج المستقل للنفط خارج منظمة “أوبك”، محتفظة بهامش مناورة دبلوماسي واقتصادي فريد. ومع إطلاق رؤية عُمان 2040، ركزت مسقط جهودها الاستثمارية على قطاع الصناعات التحويلية والبتروكيماوية. ويمثل مجمع مصفاة الدقم (OQ8)، الذي يعد أضخم مشروع استثماري مشترك في قطاع المصافي بالخليج بالتعاون مع الجانب الكويتي، حجر الزاوية في هذا التحول البنيوي.
القفزة الاستثنائية في أسعار المنتجات المكررة بنسبة 88.2% تشير إلى أن السلطنة بدأت تجني الثمار الجيوسياسية والاقتصادية لتحويل موانئها إلى منصات تكرير وتصدير عالمية. هذا التحول يمنح مسقط ميزتين استراتيجيتين:
- تحسين الهوامش المالية والتحوط من التقلبات: بيع المشتقات النفطية عالية الجودة (مثل الديزل ووقود الطائرات والنافثا) يضمن عوائد تفوق بمراحل بيع البراميل الخام، مما يعزز الميزانية العامة ويقلل العجز الهيكلي.
- توطين التكنولوجيا وسلاسل الإمداد الآسيوية: خلق بيئة صناعية متكاملة تجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لاسيما من القوى الآسيوية المتعطشة للطاقة المكررة مثل الصين والهند، مما يربط مصالح هذه القوى الكبرى باستقرار السلطنة.
الهروب من عنق الزجاجة: جغرافيا الممرات البديلة
تكتسب الطفرة الصناعية العُمانية أبعاداً جيوسياسية عميقة عند النظر إلى موقع السلطنة الجغرافي الاستثنائي. فبينما تقع معظم موانئ تصدير النفط الخليجية داخل مياه الخليج العربي وتعتمد بالكامل على المرور عبر مضيق هرمز المهدد دائماً بالإغلاق أو الصراعات الإقليمية، تطل الموانئ والمصافي العُمانية الرئيسية (خاصة الدقم وصحار وصلالة) مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي.
هذا التموضع الجغرافي الآمن يجعل من عُمان الشريك الأكثر موثوقية للقوى الدولية الباحثة عن إمدادات طاقة مستقرة بعيداً عن خطوط الصدع الجيوسياسي. إن تحويل الدقم إلى قطب طاقة عالمي يتيح للمجتمع الدولي الالتفاف على مخاطر الممرات الضيقة، ويعزز مكانة مسقط كوسيط سياسي واقتصادي لا غنى عنه في هندسة الأمن الإقليمي وحماية طرق الملاحة الدولية في المحيط الهندي.
تحديات التضخم الهيكلي ومعادلة الاستقرار الداخلي
على الرغم من المؤشرات الإيجابية على صعيد الإيرادات العامة للدولة، فإن هذا الارتفاع الحاد في أسعار المنتجين يفرض تحديات تضخمية على الاقتصاد المحلي العُماني. فارتفاع أسعار المواد الأساسية والوقود المكرر محلياً قد ينعكس تدريجياً على تكلفة المعيشة والإنتاج الصناعي الداخلي. هذا الواقع يضع صانع القرار في مسقط أمام اختبار موازنة دقيقة بين جني أرباح التصدير وحماية القوة الشرائية للمواطنين عبر سياسات الدعم المالي الموجه وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي.
الآفاق المستقبلية: ريادة الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر
إن البنية التحتية المتطورة التي تبنيها عُمان اليوم لقطاع التكرير التقليدي تمهد الطريق لخطوتها الاستراتيجية القادمة المتمثلة في الهيدروجين الأخضر. تسعى السلطنة لاستغلال مساحاتها الصحراوية الشاسعة ومعدلات الإشعاع الشمسي العالية وموقعها البحري لتصبح رائدة عالمية في إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة بحلول عام 2030. في نهاية المطاف، تثبت مسقط أن رصانتها الدبلوماسية المعهودة تتكامل اليوم مع براغماتية جيو-اقتصادية حاسمة، تعيد من خلالها صياغة مفهوم السيادة الطاقية في عالم مضطرب.
