سوق الصلب في تونس بين الركود الهيكلي وتقلبات سلاسل الإمداد: قراءة في الأبعاد الجيو-اقتصادية للصناعات الثقيلة
يشكل قطاع الحديد والصلب أحد أهم المؤشرات الحيوية لقياس قياس مدى تعافي الاقتصاد الوطني وصحة قطاع البناء والتشييد والأشغال العامة. وفي ظل التوقعات باستقرار حجم مبيعات الصلب في تونس عند مستويات السنة الماضية بنحو 720 ألف طن، تعيش الأوساط الصناعية والتجارية حالة من الترقب والحذر الشديدين. لا يعكس هذا الترقب مجرد توازن عابر بين العرض والطلب، بل يختزل معضلات هيكلية مركبّة ترتبط بتراجع الاستثمارات العمومية، وضغوط التضخم، والتحولات المتسارعة في سلاسل توريد المواد الخام عبر حوض البحر الأبيض المتوسط.
مؤشرات الجمود: دلالات الثبات الرقمي وسياق الانكماش
إن استقرار حجم المبيعات عند سقف 720 ألف طن لا يمكن قراءته بعيداً عن أزمة الانكماش التي تطال قطاع البعث العقاري والمشاريع الكبرى للبنية التحتية. ففي التقاليد الاقتصادية، يُعد نمو استهلاك الصلب رافعة أساسية للنمو القومي وشاهداً على ديناميكية الاستثمار الرأسمالي. غير أن استمرار نفس المستويات الحجمية للعام الثاني على التوالي يشير إلى حالة من «الاستقرار السلبي» أو حالة الانحصار الاستثماري.
مواجهة ضغوط الكلفة وضيق أفق التمويل
تواجه المقاولات والشركات الناشطة في قطاع التعدين والإنشاءات ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الإنتاج والاستيراد، ناهيك عن تشديد شروط الإقراض البنكي وارتفاع نسبة الفائدة المديرية. هذه العوامل أدت مجتمعة إلى تجميد العديد من مشاريع التطوير العقاري والأشغال العمومية، مما حدّ من توسع الطلب المحلي وجعل السوق يدور في حلقة مفرغة من الانتظارية.
التوازنات الجيو-اقتصادية وسلاسل التوريد المتوسطية
تتأثر صناعة وتجارة الصلب في تونس بشكل مباشر بالديناميات الإقليمية والدولية؛ إذ تعتمد المصانع المحلية على استيراد كميات مهمة من خردة الحديد، والمواد الخاوية، والكتل الفولاذية (Billet) من أسواق شرق أوروبا وحوض البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. وتلقي التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن البحري بظلالها على أسعار التكلفة النهائية، ما يضع المنتجين المحليين بين فكي كلفة الإنتاج الباهظة والقدرة الشرائية المحدودة للمستهلك النهائي.
«إن قطاع الصلب ليس مجرد نشاط صناعي تقليدي، بل هو ميزان حرارة السيادة الصناعية وقدرة الدولة على تنشيط الدورة الاقتصادية عبر الاستثمار في البنية التحتية.»
سبل الخروج من أزمة الترقب: الاستراتيجيات والآفاق المستقبلية
لتحويل حالة الترقب الحالية إلى فرصة للتعافي والمراكمة، يتطلب الأمر تبني رؤية شمولية تشترك فيها السلطات العمومية مع الفاعلين في القطاع الخاص، وذلك من خلال المحاور التالية:
- تحفيز الاستثمار العمومي: إعادة إطلاق المشاريع الكبرى للبنية التحتية والمنشآت المائية والرياضية لضخ الدماء في سوق التشييد.
- حماية الصناعة الوطنية: تفعيل ميكانيزمات حماية المنتوج المحلي من المنافسة غير الشريفة وضمان الالتزام بالمواصفات الفنية والجودة.
- تشجيع التحول الأخضر: توجيه الاستثمارات نحو إزالة الكربون من صناعة الصلب (Green Steel) للتأقلم مع آليات تعديل الحدود الكربونية التي يفرضها الشريك الأوروبي.
- تسهيل النفاذ للتمويل: إيجاد خطوط تمويل بشروط ميسرة للمقاولات الصغرى والمتوسطة لضمان استمرارية المشاريع السكنية والصناعية.
في الختام، يمثل الثبات الراهن لمبيعات الصلب في تونس جرس إنذار ومناسبة لإعادة صياغة السياسات الصناعية الوطنية. إن العبور من «حالة الترقب» إلى «مرحلة الانطلاق» يستوجب إصلاحات هيكلية جريئة تعيد الثقة للمستثمرين، وتؤمن سلاسل التوريد، وتجعل من قطاع الصلب محركاً أساسياً لبناء اقتصاد تونسي أكثر صموداً وتنافسية.
