ظاهرة «الحجز المزدوج» في النسيج الاقتصادي التونسي: بين معضلة اقتصاد الظل ورهانات التحديث الهيكلي

مقدمة: الشفافية المفقودة في عصب النسيج الاقتصادي
تُشكل المؤسسات الصغرى والمتوسطة العمود الفقري للنسيج الاقتصادي التونسي، حيث تستوعب الجزء الأكبر من اليد العاملة وتساهم بشكل مباشر في دعم التماسك الاجتماعي. غير أن القراءة العميقة لآليات تشغيل هذا القطاع تكشف عن اختلالات هيكلية صامتة تؤثر سلباً على نجاعته واستدامته، وفي مقدمتها انتشار ممارسات «الحجز المزدوج» أو إدارة النشاط دون نظام معلوماتي موثوق وقابل للاستغلال التحليلي.
إن هذه الظاهرة لا تعكس مجرد نقص في التكوين الإداري أو ضعف في الاعتماد على التكنولوجيات الحديثة، بل تعبر عن نمط استجابة بنيوي للضغوط الضريبية، والتعقيدات الإدارية، وتذبذب مناخ الأعمال. وهو ما ينعكس بدوره على كفاءة السياسات العمومية وقدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام التحولات الجيواقتصادية الإقليمية والدولية.
تشخيص الظاهرة: جذور أزمة الحوكمة في نسيج الأعمال المحلي
تعتمد قطاعات واسعة من النسيج الاقتصادي في تونس على مسك سجلين محاسبيين: أحدهما رسمي موجه للجهات الضريبية والمؤسسات المالية، والآخر عملي تُدار به العمليات اليومية الفعلية بعيداً عن الرقابة. هذا النموذج المزدوج للشفافية يصنع بيئة بيئية اقتصادية تُضعف قدرة المؤسسة ذاتها على فهم أدائها الحقيقي والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
وتتزايد خطورة هذا الوضع في ظل غياب «الذاكرة المؤسسية الموثوقة»، حيث تجد الشركات الصغرى صعوبة بالغة في التنبؤ بالتدرجات المالية، وتحديد هوامش الربح الحقيقية، أو الوصول إلى التمويلات البنكية الكفيلة بتطوير أنشطتها وتوسيع نطاق أعمالها.
إن غياب البيانات الدقيقة حول النشاط الفعلي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة يُحول التخطيط الاقتصادي إلى ممارسة قائمة على التخمين، مما يفقد الدولة أدوات التوجيه الاستثماري الفعال.
التداعيات الجيواقتصادية: تقويض السيادة المالية وعرقلة التحول الرقمي
ترتبط أزمة المحاسبة المزدوجة برهانات أوسع تتجاوز حدود إدارة المؤسسة المنفردة، لتصل إلى عمق الاستقرار الجيواقتصادي للبلاد، ويمكن تلخيص أبرز هذه التداعيات في النقاط التالية:
- تضخم اقتصاد الظل: يسهم غياب الشفافية في توسيع الفجوة بين الاقتصاد المنظم والقطاع الموازي، مما يؤدي إلى اتساع رقعة عدم الخضوع الضريبي وإضعاف الموارد المالية للدولة.
- إعاقة التحول الرقمي: تعتمد برامج الشمول المالي والرقمنة الوطنية على تدفق البيانات الصادقة، بينما يُشكل الامتناع عن أتمتة البيانات خوفاً من كشف النشاط الموازي عائقاً أمام الاندماج في الاقتصاد الرقمي الحديث.
- ضعف الجاذبية الاستثمارية: يتردد الشركاء الدوليون وصناديق الاستثمار في ضخ رؤوس الأموال داخل قطاعات تفتقر مؤسساتها إلى تقارير مالية شفافة ومعايير حوكمة معتمدة دولياً.
- تراجع القدرة التنافسية في المتوسط: في الوقت الذي تتجه فيه اقتصاديات شمال أفريقيا وحوض المتوسط نحو سلاسل القيمة الخضراء والشفافة، يظل الاقتصاد التونسي مكبلاً بممارسات تقليدية تعيق منافسته إقليمياً.
خاتمة: نحو رؤية إصلاحية لتحديث الاقتصاد واستعادة الثقة
إن معالجة معضلة «الحجز المزدوج» لا تتطلب مقاربة زجرية أو ضريبية صلبة فحسب، بل تستوجب بناء رؤية استراتيجية شاملة لإصلاح مناخ الأعمال. يتطلب ذلك تبسيط المنظومة الضريبية، وتخفيف الأعباء الإدارية، وتقديم حوافز حقيقية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة للانتقال نحو الشفافية التامة والرقمنة الشاملة.
في النهاية، تظل استعادة الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والدولة هي الرهان المحوري لإعادة بناء النسيج الاقتصادي التونسي على أسس متينة، تضمن تحسين التنافسية الوطنية، وتعزيز قدرة البلاد على الاندماج الفعال في خريطة التوازنات الاقتصادية المغاربية والمتوسطية.
