ثقافة ومجتمع

صعود القوة الناعمة الشرقية: دلالات المبادرات التونسية لتوطين الأدب الآسيوي وأبعادها الجيوثقافية

مقدمة: تحول القوة الناعمة واكتشاف الشرق الأقصى

يشهد المشهد الثقافي في تونس والمنطقة المغاربية تحولاً صامتاً لكنه عميق الأثر، يتبدى في تزايد الشغف بالأدب والفكر الآسيويين وازدهار المبادرات القرائية الرقمية التي تسعى لإعادة توجيه البوصلة الثقافية نحو الشرق الأقصى. وفي هذا السياق، تأتي تجربة المنصة الرقمية التونسية Books & Kukkii، التي تأسست لترويج الأدب الآسيوي وإتاحة الإنتاج الفكري للشرق الأقصى أمام القارئ التونسي، كعلامة فارقة تتجاوز حدود العمل التجاري الفردي لتعبر عن ديناميكية جيوثقافية جديدة تعيد رسم خريطة القوة الناعمة في منطقة جنوب البحر الأبيض المتوسط.

سياق تحول الذائقة القرائية: من المركزية الغربية إلى الفضاء الآسيوي

على مدى عقود طويلة، ظلت الساحة الأدبية والفكرية في تونس والمغرب العربي مرتبطة بشكل وثيق بالمركزية الفرنكوفونية والغربية. غير أن السنوات الأخيرة شهدت صعود جيل جديد ينفتح بسلاسة على الثقافات الآسيوية، متأثراً بطفرة الرسوم المتحركة والسينما والروايات المصورة والترجمات الأدبية القادمة من اليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، ودول جنوب شرق آسيا.

وتعكس مبادرة Books & Kukkii إدراكاً مبكراً لهذا التحول الهيكلي في سلوك المستهلك الثقافي المحلي، حيث لم يعد القارئ التونسي مكتفياً بالمستورد التقليدي من الأدب الأوروبي أو المترجمات التقليدية، بل أصبح يبحث عن قضايا الهوية، والتحديث، والفلسفة المشرقية ببعدها الآسيوي الذي يتقاطع في كثير من وجوهه مع الانشغالات الذاتية والمجتمعية لدول الجنوب.

«إن التحول نحو الأدب الآسيوي في الفضاء المغاربي ليس مجرد تقليعة قرائية عابرة، بل هو انعكاس لإعادة توازن القوة الناعمة العالمية وتراجع أحادية القطبية الثقافية الغربية لصالح تنوع متعدد الأقطاب.»

الأبعاد الجيوثقافية والسياسية للإنتاج الأدبي الآسيوي

يمكن قراءة هذا الانجذاب نحو الأدب الآسيوي في تونس من خلال ثلاثة أبعاد استراتيجية رئيسية:

  • القوة الناعمة والتمدد الحضاري: تستثمر الدول الآسيوية الكبرى، وتحديداً اليابان وكوريا الجنوبية والصين، مبالغ طائلة في دعم ترجمة أدبياتها ونشر لغاتها، مما خلق قاعدة جماهيرية واسعة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تتوازى مع التمدد الاقتصادي والاستثماري لهذه الدول في المنطقة.
  • التوق إلى نماذج حداثية بديلة: يقدم الأدب الآسيوي المعاصر صياغات فريدة للتقاطع بين التقاليد الموروثة والحداثة التكنولوجية الفائقة، وهي معادلة تشغل بال المجتمعات العربية والمغاربية التي تعيش مخاضاً تنموياً وهوياتياً مستمراً.
  • كسر الاحتكار التوزيعي عبر المنصات الرقمية: تظهر مبادرات مثل Books & Kukkii قدرة التجارة الإلكترونية والمجتمعات الرقمية الناشئة على تجاوز عقبات النشر والتوزيع التقليدية، وفرض خيارات جديدة في السوق الثقافية الوطنية.

الآفاق المستقبلية ومآلات المشهد الثقافي المغاربي

إن نجاح المبادرات المحلية المتخصصة في أدبيات الشرق الأقصى يضع المؤسسات الثقافية الرسمية ودور النشر التقليدية في تونس والمنطقة أمام تحدي إعادة صياغة استراتيجياتها التوزيعية والترجمية. فلم يعد ممكناً تجاهل الكتلة الحرجة من القراء الشباب الذين يشكلون الرافد الأساسي للسوق الثقافية المستقبلية.

ختاماً، يعبر الصعود المتنامي للأدب الآسيوي في تونس عن مرحلة جديدة من الانفتاح الجيوثقافي، تتكامل فيها الأبعاد الاقتصادية بالروابط الفكرية. وإذا ما استمر هذا الزخم، فإن المنطقة المغاربية قد تشهد خلال السنوات القادمة ولادة جسور جديدة للتبادل الحضاري المباشر مع آسيا، بعيداً عن الوساطة الغربية التي احتكرت هذا الفضاء لعقود طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *