من “مكتب الاتصال” إلى السفارة الكاملة: تحولات التطبيع المغربي-الإسرائيلي في ضوء التوازنات الجيوسياسية والأمنية الإقليمية
من “مكتب الاتصال” إلى السفارة الكاملة: تحولات التطبيع المغربي-الإسرائيلي في ضوء التوازنات الجيوسياسية والأمنية الإقليمية
منذ توقيع اتفاق التطبيع في أواخر عام 2020، ظلّت العلاقات المغربية-الإسرائيلية تتحرك في مساحة رمادية تجمع بين الاندفاع الاستراتيجي الرسمي والتحفظ الحذر من ردود الفعل الشعبية. كان صانع القرار في الرباط يدرك تماماً أن الإقدام على خطوة دبلوماسية بهذا الحجم يتطلب هندسة دقيقة لامتصاص الصدمات الارتدادية في الشارع المغربي؛ ولذلك، اقتصر التمثيل الدبلوماسي في البداية على “مكتب اتصال” ثنائي، وهو صيغة مرنة تتيح التراجع السريع وإغلاق المكتب في حال حدوث هزات سياسية كبرى، تماماً كما حدث عقب انتفاضة الأقصى عام 2000. اليوم، ومع التوجه نحو ترقية هذا التمثيل إلى سفارة مكتملة الأركان، نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة من التموضع الاستراتيجي، تُطرح فيها تساؤلات عميقة حول الأبعاد الجيو-اقتصادية، الأمنية، والمجتمعية لهذا التحول المتسارع.
أولاً: خريطة الفاعلين وتشابك المصالح الإقليمية
يتجاوز قرار ترقية التمثيل الدبلوماسي بين الرباط وتل أبيب الإطار الثنائي الضيق ليتشابك مع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة:
- المغرب: يسعى إلى تثبيت مكاسبه الجيوسياسية، وفي مقدمتها الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، مستفيداً من الدعم الأمريكي الملتزم باتفاقيات “أبراهام”، ومحاولاً بناء شراكة أمنية وتكنولوجية متطورة تعزز تفوقه الإقليمي.
- إسرائيل: تهدف إلى كسر عزلتها الإقليمية وبناء حزام أمني واقتصادي في شمال إفريقيا، يتيح لها التغلغل في عمق القارة الإفريقية والوصول إلى ممرات التجارة الأطلسية، فضلاً عن رغبتها في تحويل التطبيع من تفاهمات هشة إلى مؤسسات دبلوماسية دائمة يستعصي تفكيكها مستقبلاً.
- الولايات المتحدة: تعمل كضامن وراعٍ رئيسي لهذه الديناميكية، حيث تسعى لدمج حلفائها في شبكة دفاعية وأمنية موحدة لمواجهة النفوذ المتنامي لقوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا في منطقة غرب المتوسط والساحل.
- الجزائر: تنظر إلى هذا التحالف الأمني المتنامي على حدودها الغربية كتهديد مباشر لأمنها القومي، مما يدفعها إلى تعزيز ترسانتها العسكرية وتعميق تحالفاتها المضادة، وهو ما يذكي سباق التسلح في المنطقة ويقوض فرص التكامل المغاربي.
ثانياً: الجيو-اقتصاد وأمن التدفقات الحيوية
لا يمكن فصل هذا التحول الدبلوماسي عن شبكة المصالح الجيو-اقتصادية المعقدة التي تشمل الطاقة، الممرات التجارية، وسلاسل الإمداد الحيوية. يطمح المغرب إلى التحول لمركز طاقة إقليمي عبر مشاريع الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي مع أوروبا، بالإضافة إلى أنبوب الغاز النيجيري-المغربي المستقبلي. وفي هذا السياق، تطرح الشركات الإسرائيلية المتخصصة في التنقيب والتقنيات الزراعية والأمن المائي نفسها كشريك أساسي للاستثمار في هذه المشاريع الضخمة.
ومع ذلك، فإن عسكرة العلاقات والشراكات الدفاعية المتقدمة (مثل صفقات الطائرات المسيرة ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة) تخلق بيئة أمنية متوترة قد تؤثر سلباً على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة شمال إفريقيا. كما أن الاعتماد على تكنولوجيا أمنية خارجية يثير هواجس متعلقة بالسيادة السيبرانية وأمن البيانات الوطنية، في وقت تعاني فيه الاقتصادات الإقليمية من ضغوط التضخم وتراكم الديون الخارجية.
ثالثاً: موازين القوى والردع وحسابات الجبهة الداخلية
لقد استندت حسابات صانع القرار الرسمي في المغرب طيلة السنوات الأربع الماضية إلى تقييم دقيق لمدى فاعلية الحراك الشعبي المناهض للتطبيع. ورغم القوة الرمزية والزخم الذي طبع المسيرات الاحتجاجية، إلا أن تأثيرها الميداني ظل مضبوطاً ولم يشكل تهديداً حقيقياً لخيارات الدولة الاستراتيجية. هذا التقييم شجع على الانتقال من مرحلة “مكتب الاتصال” المؤقت إلى مرحلة “السفارة الرسمية”، مما يعني مأسسة وتثبيت هذا الوجود بشكل يصعب التراجع عنه.
لكن هذا المسار يصطدم اليوم بجدار أخلاقي ووجداني صلب؛ فالشارع المغربي يمتلك ارتباطاً تاريخياً وثيقاً بالقضية الفلسطينية. إن الذاكرة الجمعية للمغاربة الذين خضبوا أرضهم بدماء التحرير، والذين استدعى التاريخ مآثرهم منذ عهد صلاح الدين الأيوبي الذي قال عنهم: “يبطشون في البحر ويثبتون في البر وهم خير أمين على القدس والمسجد الأقصى”، تجد نفسها اليوم في حالة تناقض صارخ مع فتح سفارة رسمية لكيان يشن حرباً تدميرية غير مسبوقة على قطاع غزة، مما يضع الهوية الوطنية والالتزام القومي في اختبار حقيقي أمام براغماتية الدولة.
رابعاً: الاستشراف وبناء السيناريوهات المستقبلية
أمام هذه المعطيات المتشابكة، يتأرجح مستقبل هذا الملف بين سيناريوهين رئيسيين:
السيناريو الأول: التهدئة والاحتواء البراغماتي
يفترض هذا السيناريو نجاح الدولة في إدارة التناقضات عبر تبني سياسة “مسارين متوازيين”؛ الاستمرار في تعميق الشراكة الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل تحت غطاء المصالح العليا للمملكة، مقابل الحفاظ على خطاب دبلوماسي تقليدي يدعم حل الدولتين ويرسل المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر مؤسسة بيت مال القدس. في هذا السيناريو، يتم امتصاص الغضب الشعبي تدريجياً من خلال تقديم إغراءات اقتصادية ومكاسب ملموسة في ملف الصحراء، مما يسمح بتدشين السفارة دون اضطرابات داخلية كبرى.
السيناريو الثاني: التصعيد والاصطدام الداخلي-الإقليمي
يرجح هذا السيناريو أن يؤدي استمرار المجازر في غزة، مع تسارع وتيرة التغلغل الإسرائيلي في مفاصل الإدارة والاقتصاد المغربي، إلى تجاوز الشارع لخطوط الضبط التقليدية. قد تندمج المطالب الاجتماعية والاقتصادية (المرتبطة بالتضخم والبطالة) مع الشعارات السياسية المناهضة للتطبيع، مما يخلق موجة احتجاجية واسعة تهدد الاستقرار الداخلي. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي هذا السيناريو إلى زيادة منسوب الاستفزازات الأمنية مع الجزائر، مما قد يجر المنطقة إلى مواجهة عسكرية غير مباشرة أو استنزاف طويل الأمد يجهض طموحات التنمية الاقتصادية للبلدين.
