مقاربة «ترامب» الجديدة في شمال أفريقيا: أبعاد الدعم الأمريكي للشراكة الأمنية مع الجزائر وتوازنات الساحل
في خطوة تحمل دلالات جيوستراتيجية بالغة الأهمية في توقيتها ومضمونها، جاءت تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، لتؤكد دعم واشنطن الصريح لتوسيع نطاق التعاون الأمني مع الجزائر. هذا الإعلان لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي عابر، بل يمثل حلقة جديدة في سلسلة إعادة تموضع القوى الكبرى في منطقة شمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً في عمق منطقة الساحل الأفريقي التي تشهد اضطرابات غير مسبوقة تضع الأمن الإقليمي والدولي على المحك.
سياقات التحول: واشنطن والجزائر في عين عاصفة الساحل
تأتي هذه الاندفاعة الأمريكية نحو توثيق العلاقات الأمنية مع الجزائر في وقت تعيش فيه منطقة الساحل والصحراء فراغاً أمنياً خطيراً ناخماً عن تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي وطرد القوات الغربية من دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو. هذا الفراغ استغلته قوى دولية منافسة، وعلى رأسها روسيا عبر ذراعها العسكري وشبه العسكري “فيلق أفريقيا” (فاغنر سابقاً)، إلى جانب التغلغل الاقتصادي الصيني المتزايد في المنطقة.
تدرك واشنطن جيداً أن الجزائر، بفضل جيشها القوي وعقيدتها العسكرية الصارمة وخبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عابرة الحدود، تمثل رقماً صعباً وصمام أمان لا يمكن تجاوزه لإعادة فرض الاستقرار في هذه الرقعة الجغرافية المعقدة. بناءً على ذلك، يسعى صانع القرار في البيت الأبيض إلى بناء “جدار صد” أمني بالتعاون مع العاصمة الجزائرية لمواجهة التهديدات المشتركة وتدفقات الهجرة غير النظامية.
براغماتية ترامب وموقع الجزائر في العقيدة الأمنية الأمريكية
تتميز السياسة الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب بالبراغماتية الشديدة والتركيز على المصالح المباشرة. ومن هذا المنطلق، يرى مستشارو ترامب أن الشراكة مع الجزائر يجب أن تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية لتركز على ملفات صلبة ومحددة:
- مكافحة الإرهاب: تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة حول نشاط الجماعات المتطرفة في الساحل.
- أمن الحدود: دعم جهود الجزائر في تأمين حدودها الجنوبية الشاسعة الممتدة مع مالي وليبيا والنيجر لمنع تسلل المسلحين وتهريب الأسلحة.
- أمن الطاقة: تأمين ممرات إمدادات الطاقة والغاز المتجهة نحو أوروبا، مما يعزز أمن الحلفاء الغربيين في مواجهة الضغوط الجيوسياسية الروسية.
إن التقارب الأمني بين واشنطن والجزائر يعكس اعترافاً أمريكياً متجدداً بالدور الريادي للجزائر كقوة إقليمية ضابطة للإيقاع الأمني في شمال وغرب أفريقيا، بعيداً عن الاستقطابات الأيديولوجية الضيقة.
التوازنات المعقدة: بين الشراكة مع الغرب والتحالف التاريخي مع موسكو
تضع هذه الخطوة الدبلوماسية الأمريكية الجزائر أمام اختبار حقيقي لـ “دبلوماسية التوازن” التي تتقنها تاريخياً. فالجزائر ترتبط بعلاقات استراتيجية وعسكرية وثيقة ومتجذرة مع موسكو، حيث تعد روسيا المورد الرئيسي للأسلحة للجيش الجزائري. ومع ذلك، نجحت الدبلوماسية الجزائرية دائماً في الحفاظ على مسافة أمان تتيح لها تنويع شراكاتها الدولية دون السقوط في فخ المحاور المغلقة.
إن تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة يعطي الجزائر أوراق ضغط جديدة ويسمح لها بتحديث منظومتها الدفاعية والاستخباراتية عبر قنوات تكنولوجية غربية متطورة، وفي الوقت نفسه يبعث برسالة واضحة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن الجزائر ليست تابعة لأي معسكر، بل هي شريك سيادي يحدد تحالفاته بناءً على مصالحه الأمنية القومية العليا أولاً وأخيراً.
مآلات الشراكة الإستراتيجية ورهانات المستقبل
في المنظور القريب والبعيد، يبدو أن الشراكة الأمنية الأمريكية-الجزائرية ستشهد تسارعاً ملحوظاً في مجال التدريب المشترك، وتطوير التقنيات الأمنية لمراقبة الحدود، والتنسيق الدبلوماسي رفيع المستوى بشأن الأزمة الليبية والوضع في مالي. غير أن نجاح هذه الشراكة سيظل رهناً بمدى قدرة الطرفين على تحييد الخلافات السياسية حول بعض القضايا الدولية، والتركيز على الأهداف الميدانية المشتركة لحفظ الاستقرار الإقليمي في حوض المتوسط والعمق الأفريقي.
