المغرب العربي

معتقل “تانزروفت”: الجزائر تُعسكر حدودها الجنوبية لمواجهة أخطبوط تهريب المخدرات في الساحل

يُشكل إعلان الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، تحويل ثكنة عسكرية تابعة للجيش الوطني الشعبي إلى سجن شديد الحراسة في صحراء “تانزروفت”، تحولاً عقائدياً بارزاً في المقاربة الأمنية للجزائر. وتستعد منطقة “تانزروفت” القاحلة في أقصى الجنوب الغربي الجزائري، المتاخمة للحدود المالية والتي عُرفت تاريخياً بـ “بلاد العطش”، لتصبح رمزاً لحرب لا هوادة فيها ضد شبكات الجريمة العابرة للحدود. وتتجاوز هذه الخطوة مجرد الرد العقابي التقليدي على آفة تهريب المخدرات، لتكشف عن عسكرة متزايدة لاستراتيجية تأمين الحدود الجنوبية للبلاد، في ظل التحلل الأمني المتسارع الذي يشهده الإقليم الساحلي.

سجن “تانزروفت”: إغلاق “بلاد العطش” في وجه التدفقات الهجينة

لم يكن اختيار صحراء “تانزروفت” لاحتضان هذا المعتقل الفائق التحصين وليد الصدفة الجغرافية؛ فهذه المساحة الشاسعة تمثل أحد أكثر الممرات نفاذية وخطورة في الشريط الساحلي الصحراوي. ومنذ سقوط النظام الليبي عام 2011 والاضطراب المزمن الذي يعصف بجمهورية مالي، تحولت المنطقة إلى مسرح لعمليات تهريب متداخلة تتدفق عبرها الأسلحة والمهاجرون والمواد المخدرة. ولم يعد تهريب المؤثرات العقلية وراتنج القنب الهندي يُنظر إليه في الجزائر كقضية صحة عامة فحسب، بل كتهديد وجودي يمس السيادة الوطنية مباشرة.

“لم يعد تهريب المخدرات في منطقة الساحل مجرد نشاط إجرامي عابر، بل أضحى سلاحاً لزعزعة الاستقرار الجيوسياسي، يمول الإرهاب بشكل مباشر ويقوض أركان مؤسسات الدول الهشة في الجوار.”

ومن خلال تشييد هذا السجن في قلب منطقة العبور الحيوية، تبعث السلطة الجزائرية برسالة حزم بالغة الصرامة؛ إذ تهدف الخطوة إلى قطع خطوط الاتصال لشبكات الجريمة عبر عزل عقولها المدبرة في بيئة طبيعية قاسية للغاية، بعيداً عن المراكز الحضرية في الشمال حيث تزداد احتمالات التواطؤ ومخاطر الهروب.

اندماج الأمني والقضائي: الجيش الوطني الشعبي في الخطوط الأمامية

يجسد أصل هذا المشروع — المتمثل في تحويل ثكنة عسكرية تابعة للجيش الوطني الشعبي إلى مؤسسة عقابية — التداخل المتزايد بين مهام الدفاع الوطني والأمن الداخلي. وأمام شبكات تهريب مدججة بالسلاح ومجهزة بوسائل اتصال متطورة عبر الأقمار الاصطناعية، باتت الأجهزة الأمنية التقليدية من شرطة ودرك وطني غير كافية لمواجهة التحدي، مما دفع بالجيش إلى قيادة وتوجيه الرد الشامل.

وتلبي عسكرة المقاربة العقابية هذه جملة من الضرورات الاستراتيجية:

  • تحصين التراب الوطني: منع انتقال الفوضى المستعرة في مالي والنيجر إلى الولايات الجنوبية للجزائر.
  • الردع الأقصى: فرض ظروف اعتقال بالغة القسوة في واحدة من أشد صحاري العالم وعورة لكسر البنية اللوجستية لكارتيلات الساحل.
  • التنسيق المشترك بين الأجهزة: إخضاع تدفق المعلومات المستخلصة من استجواب كبار المعتقلين لإشراف غير مباشر من الجيش وأجهزة الاستخبارات.

اللعبة الكبرى في الساحل: الجزائر في مواجهة الفراغ الأمني

تأتي هذه المبادرة في وقت تشهد فيه العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمجالس العسكرية الحاكمة في باماكو ونيامي اضطرابات حادة. وقد أدى انسحاب القوات الغربية (ولا سيما الفرنسية) وتمدد مرتزقة “فيلق أفريقيا” الروسي (المعروف سابقاً بمجموعة فاغنر) على طول الحدود الجزائرية إلى خلق فراغ أمني سارعت الجماعات المسلحة غير الحكومية لملئه. وفي ظل غياب شركاء حكوميين موثوقين على حدودها الجنوبية، اختارت الجزائر تبني مقاربة أمنية أحادية الجانب.

ويندرج سجن “تانزروفت” في سياق “دبلوماسية القوة”. ففي ظل تعذر استقرار مالي عبر التسويات السياسية — بعد سقوط “اتفاق الجزائر” لعام 2015 وإعلانه لاغياً — تتجه الجزائر إلى تشييد جدار أمني ولوجستي عازل لاحتواء التهديدات القادمة من تخومها المباشرة.

آفاق ومخاطر استراتيجية العزل

على المدى الطويل، سيتوقف نجاح هذه الاستراتيجية الأمنية المتشددة على قدرة الجزائر على الموازنة بين الردع العسكري والتنمية الاقتصادية الفعلية للمناطق الحدودية التي عانت تاريخياً من التهميش. وإذا كان مشروع “تانزروفت” يبرهن على عزم الدولة الجزائرية على عدم التفريط في أي شبر من سيادتها لصالح الكارتيلات، فإنه يضع البلاد أيضاً أمام خطر المواجهة المستمرة مع شبكات إجرامية تزداد تسلحاً وعسكرة. وفي هذه اللعبة الصحراوية الكبرى، سيكون سجن “تانزروفت” بمثابة مؤشر لقياس مدى مرونة العقيدة الأمنية الجزائرية في مواجهة الفوضى العارمة بالساحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *