تونس بين مطرقة السيادة وسندان التوازنات الإقليمية: ماذا وراء تمديد اعتقال ناشطي “أسطول الصمود”؟
تونس بين مطرقة السيادة وسندان التوازنات الإقليمية: ماذا وراء تمديد اعتقال ناشطي “أسطول الصمود”؟
في منتصف سبتمبر/أيلول 2026، اهتزت الساحة السياسية والحقوقية في تونس على وقع تصعيد صامت خلف القضبان، لكن صداه تجاوز الحدود التونسية ليرسم علامات استفهام كبرى حول حدود المناورة السياسية في شمال أفريقيا. فمع قرار القضاء التونسي تمديد اعتقال أربعة من قيادات وناشطي “أسطول الصمود” الداعم لقطاع غزة لمدة أربعة أشهر إضافية، دخل المعتقلون، وعلى رأسهم الناشط البارز وائل نوار، في إضراب مفتوح عن الطعام، وسط قلق متزايد ودعوات عربية وحقوقية ملحة لمطالبتهم بفك الإضراب حفاظاً على حياتهم.
هذا التطور لا يمكن قراءته كحدث قضائي محلي معزول؛ بل هو مرآة تعكس التجاذبات الجيوسياسية المعقدة التي تعيشها تونس، حيث تتداخل الحسابات الأمنية الداخلية مع الضغوط الاقتصادية الخارجية والمواقف المبدئية المعلنة تجاه القضايا الإقليمية.
خريطة الفاعلين وتشابك المصالح: اختبار حدود الخطاب الرسمي
تتداخل في هذا الملف عدة أطراف ذات مصالح متباينة؛ فمن جهة، تقف السلطة التونسية التي تبنت تاريخياً وخطابياً موقفاً راديكالياً داعماً للقضية الفلسطينية، لكنها تجد نفسها اليوم أمام تحدي الحفاظ على “أمن الدولة” ومنع أي تحركات ميدانية غير منسقة قد تخرج عن السيطرة أو تُحرج الدولة في علاقاتها الدولية.
ومن جهة أخرى، يمثل ناشطو “أسطول الصمود” تياراً شعبياً وحقوقياً يرى في الفعل الميداني المباشر امتداداً طبيعياً للموقف الشعبي التونسي. هذا التباين يخلق حالة من “الردع المتبادل”؛ حيث تحاول السلطة عبر تمديد الاعتقال وضع خطوط حمراء للعمل الاحتجاجي المستقل، بينما يمثل إضراب الأمعاء الخاوية الذي يخوضه وائل نوار ورفاقه أداة ضغط ناعمة وفعالة لإحراج الرواية الرسمية وإظهار الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة الأمنية على الأرض.
“إن معركة الأمعاء الخاوية التي يخوضها ناشطو أسطول الصمود في تونس تتجاوز المطالبة بالحرية الفردية؛ إنها تضع صدقية السياسات السيادية الإقليمية على محك الاختبار الحقيقي.”
الجيو-اقتصاد وأمن التدفقات: حسابات الربح والخسارة في زمن الأزمات
لا يمكن فصل هذا الملف عن الواقع الجيو-اقتصادي الهش الذي تمر به تونس. فالبلاد تعيش تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، وتضخم مرتفع، وحاجة مستمرة لإعادة هيكلة ديونها والوصول إلى خطوط ائتمان دولية. في هذا السياق، تبدو العواصم الغربية والمؤسسات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي) شريكاً غير مباشر في صياغة السلوك الأمني للدول الواقعة في حوض المتوسط.
أي تحركات شعبية ذات طابع إقليمي حاد، أو محاولات لتسيير قوافل بحرية لكسر الحصار، قد تُنظر إليها القوى الدولية الكبرى ومراقبو الممرات البحرية في المتوسط بكثير من الريبة. بالنسبة لصناع القرار في تونس، فإن السماح بنشاط ميداني غير منضبط لـ”أسطول الصمود” قد يرسل إشارات سلبية لشركاء تونس الاقتصاديين في شمال المتوسط، الذين يربطون استقرار تدفقات الطاقة والتجارة والأمن البحري باستقرار الأنظمة السياسية وقدرتها على ضبط حدودها ونشاط مواطنيها.
موازين القوى والردع: القوة الصلبة في مواجهة الرمزية الشعبية
في هذه المواجهة، تستخدم الدولة أدوات “القوة الصلبة” المتمثلة في القوانين الاستثنائية، وتمديد الحبس الاحتياطي، والسيطرة على الفضاء العام لمنع أي تصعيد موازٍ في الشارع. في المقابل، يمتلك الناشطون المعتقلون “قوة ناعمة” هائلة تستند إلى رمزية القضية التي يدافعون عنها (دعم غزة) والتعاطف الشعبي الواسع معهم.
هذا التعاطف تجلى في التنديد العربي الواسع والدعوات المتكررة لوائل نوار ورفاقه بوقف الإضراب لحماية حياتهم، وهي دعوات تحمل في طياتها اعترافاً بمدى خطورة هذا السلاح السلمي. إن استمرار الإضراب يضع الأجهزة الأمنية والقضائية في مأزق؛ فأي تدهور خطير في صحة المعتقلين قد يتحول إلى شرارة لاحتجاجات أوسع نطاقاً يصعب التنبؤ بمآلاتها في ظل الاحتقان الاجتماعي القائم.
الاستشراف وبناء السيناريوهات: إلى أين تتجه الأزمة؟
بناءً على المعطيات الميدانية والتحليل الاستراتيجي المحيط بهذا الملف، يمكن استشراف سيناريوهين محتملين لمآل هذه الأزمة:
- السيناريو الأول: التهدئة والتسوية السياسية-القضائية (الأكثر ترجيحاً): يرتكز هذا السيناريو على قناعة الطرفين بكلفة التصعيد العالية. قد تتجه السلطات التونسية، تحت وطأة الضغوط الحقوقية المحلية والعربية وتجنباً لسيناريو كارثي يمس حياة المعتقلين، إلى إيجاد مخرج قانوني مقبول (مثل إطلاق سراح مشروط أو تسريع إجراءات المحاكمة مع الاكتفاء بمدة العقوبة المقضاة)، مقابل تعهدات غير معلنة بتهدئة النشاط الميداني لـ”أسطول الصمود”. هذا السيناريو يضمن للدولة الحفاظ على هيبتها واستقرارها، ويحمي حياة الناشطين.
- السيناريو الثاني: التصعيد والانفجار: يفترض هذا السيناريو تمسك السلطة بموقفها المتشدد كرسالة ردع حاسمة لكافة القوى المعارضة والناشطة، وتجاهل المناشدات الإنسانية. في المقابل، يستمر المعتقلون في إضرابهم حتى النهاية، مما قد يؤدي إلى تدهور صحي حاد أو وفاة أحد الناشطين (لا قدر الله). هذا السيناريو من شأنه أن يفجر موجة غضب شعبي واسع في تونس، ويضع البلاد في مواجهة إدانة دولية وحقوقية واسعة، مما يعمق عزلتها السياسية ويزيد من تعقيد أزمتها الاقتصادية.
في الختام، يظل ملف معتقلي “أسطول الصمود” في تونس نموذجاً مصغراً لكيفية تصادم المبادئ الشعبية مع إكراهات الجغرافيا السياسية وحسابات الحكم المعقدة في منطقة لا تحتمل المزيد من الهزات الارتدادية.
