ترميم جدار الساحل المتصدع: أبعاد زيارة رئيس الوزراء الجزائري إلى باماكو وهندسة النفوذ الإقليمي الجديد
مقاربة التهدئة الاضطرارية: سياقات الزيارة المفاجئة
في خطوة دبلوماسية تحمل دلالات جيو-استراتيجية بالغة الأهمية في توقيتها ومضمونها، حلّ رئيس الوزراء الجزائري، سيفي غريب، بالعاصمة المالية باماكو للقاء رئيس المجلس الانتقالي، الجنرال أسيمي غويتا. تأتي هذه الزيارة لتكسر طوقاً من الجفاء الدبلوماسي الصامت الذي خيّم على علاقات البلدين الجارين لأكثر من عام، وتحديداً منذ حادثة إسقاط الجزائر لطائرة مسيّرة مالية اخترقت مجالها الجوي الحدودي، وما تلاها من اتهامات متبادلة أدت إلى تعليق العمل باتفاق السلم والمصالحة التاريخي المنبثق عن مسار الجزائر عام 2015.
جذور التصدع: من “اتفاق الجزائر” إلى صدمة المسيّرات
لم يكن الخلاف الجزائري المالي وليد اللحظة، بل تلخيصاً لتحولات بنيوية عميقة شهدتها منطقة الساحل الأفريقي عقب الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. لقد رأت النخبة العسكرية الحاكمة في باماكو أن “اتفاق الجزائر” لعام 2015 لم يعد يلبي طموحاتها في بسط السيادة الكاملة على شمال البلاد، واعتبرت التحركات الدبلوماسية الجزائرية مع بعض الحركات الأزوادية تدخلاً في شؤونها الداخلية. وتوج هذا التوتر بإعلان باماكو الرسمي إنهاء الاتفاق، تلا ذلك عسكرة مكثفة للحدود المشتركة وحوادث أمنية خطيرة كان أبرزها رصد وإسقاط الطائرة المسيّرة التركية الصنع التي كانت تشغلها القوات المالية قرب التخوم الجزائرية.
“إن الجغرافيا لا تكذب؛ فالجزائر ومالي محكومتان بالتعايش الأمني والاقتصادي، وأي فراغ استراتيجي في باماكو يتردد صداه مباشرة في مقار الأمن القومي بالمرادية.”
الحسابات الجيو-أمنية للجزائر: محاصرة “الفراغ” في الساحل
تدرك الجزائر جيداً أن انكفاءها الدبلوماسي عن الساحل قد أفسح المجال لقوى إقليمية ودولية أخرى لإعادة صياغة المشهد الأمني على حدودها الجنوبية. فصعود “تحالف دول الساحل” بدعم روسي مباشر عبر فيلق “أفريكا كوربس” (الفيلق الأفريقي البديل لفاغنر)، والتموضع التركي المتزايد عبر صفقات الطائرات المسيّرة، شكّلا ضغطاً صامتاً على صانع القرار الجزائري. بناءً عليه، تمثل زيارة رئيس الوزراء خطوة هجومية لاستعادة المبادرة الدبلوماسية، والتأكيد على أن الجزائر تظل الشريك الأمني الطبيعي والأكثر قدرة على ضبط التوازنات القبلية والعسكرية في الشمال المالي المضطرب.
براغماتية باماكو: حدود الاعتماد على الحلفاء الجدد
على الجانب الآخر، يبدو أن المجلس العسكري في مالي بقيادة الجنرال غويتا بدأ يدرك حدود القوة العسكرية الصرفة وحتمية التعاون مع الجار الشمالي الأكبر. فرغم الدعم العسكري الروسي، لا تزال معارك الشمال ضد الحركات الأزوادية وضد الجماعات المتطرفة تستنزف قدرات الجيش المالي دون حسم نهائي. يضاف إلى ذلك العبء الاقتصادي واللوجستي الكبير؛ فالجزائر تمثل شرياناً حيوياً للإمدادات والتبادل التجاري الحدودي، فضلاً عن دورها التاريخي كوسيط مقبول من مختلف الأطراف الطوارقية. هذه البراغماتية الاضطرارية دفعت باماكو لفتح أبوابها مجدداً للدبلوماسية الجزائرية للبحث عن صيغ تنسيقية جديدة تتجاوز مأزق الاتفاق الملغى.
الآفاق المستقبلية: هل نترقب هندسة أمنية جديدة؟
تشير المعطيات الحالية إلى أن العلاقات الجزائرية المالية لن تعود إلى سابق عهدها القائم على نموذج “الراعي والتابع”، بل تتجه نحو صياغة تفاهمات جديدة تركز على الجوانب الاستخباراتية والأمنية المباشرة وإدارة الحدود المشتركة. إن نجاح هذه التهدئة يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة:
- من جانب الجزائر: القبول بالواقع السياسي الجديد في باماكو والاعتراف بإنهاء المسارات القديمة والبحث عن آليات مرنة للوساطة لا تثير حساسية المجلس العسكري.
- من جانب مالي: كبح جماح التصعيد العسكري على الحدود الجزائرية، وتقديم ضمانات واضحة بعدم تحول الأراضي المالية إلى قاعدة انطلاق لعمليات تستهدف الأمن القومي الجزائري أو بتواطؤ مع أطراف خارجية معادية.
في المحصلة، تظل زيارة سيفي غريب إلى باماكو خطوة أولى رئيسية في مسار طويل ومعقد لترميم جدار الساحل المتصدع، في منطقة لا تزال تعيش على صفيح ساخن من التحولات الجيوسياسية الدولية.
