الشرق الأوسط

ترميم الهيكل المتداعي: أبعاد مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني وهندسة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط

مقدمة: المؤسسة العسكرية كآخر خطوط الدفاع عن الدولة

في وقت يمر فيه لبنان بواحدة من أعقد أزماته الهيكلية والاقتصادية في التاريخ الحديث، يكتسب الاجتماع الدولي المنعقد في باريس لبحث سبل دعم الجيش اللبناني دلالات تتجاوز بكثير مجرد تقديم المساعدات اللوجستية أو المالية التقليدية. إن هذا الحشد الدبلوماسي والعسكري الذي يضم فرنسا، والأردن، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، يمثل محاولة دولية وإقليمية منسقة لإنقاذ آخر مؤسسة سيادية متماسكة في البلاد، ومنع انزلاق الساحة اللبنانية نحو فوضى شاملة قد تعيد رسم الخارطة الأمنية للمنطقة بأكملها.

الجيش اللبناني في قلب توازنات القوة الإقليمية

لطالما اعتُبر الجيش اللبناني بمثابة العمود الفقري الذي يحفظ السلم الأهلي الهش في بلد ممزق بالانقسامات الطائفية والسياسية. ومع تآكل مؤسسات الدولة الدستورية والخدمية، باتت قدرة الجيش على البقاء والاستمرار تمثل الفارق بين الدولة واللادولة. تسعى القوى الغربية، وعلى رأسها واشنطن وباريس، من خلال هذا الدعم إلى تحقيق هدفين استراتيجيين:

  • أولاً: الحفاظ على شريك أمني موثوق قادر على ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب والحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط.
  • ثانياً: تعزيز كفة المؤسسة الشرعية الرسمية في مواجهة الفواعل المسلحة غير الدولتية، وتحديداً حزب الله، الذي يمتلك ترسانة عسكرية تفوق قدرات الجيش التقليدية.

إن الحفاظ على تماسك الجيش اللبناني ليس ترفاً إنسانياً، بل هو ضرورة جيو-أمنية قصوى لمنع تحول شرق المتوسط إلى منطقة رمادية مفتوحة على كافة الاحتمالات الكارثية.

المقاربة الفرنسية-الأردنية: تقاطع المصالح الحيوية

يعكس الإشراف المشترك للرئيس الفرنسي والعاهل الأردني على هذا المؤتمر تقاطعاً حيوياً في المصالح الجيوسياسية. بالنسبة لباريس، يمثل لبنان عمقاً تاريخياً وموطئ قدم أساسي لدبلوماسيتها في المشرق العربي، وترى في انهياره الكامل تراجعاً حاداً لنفوذها المتوسطي. أما بالنسبة لعمان، فإن استقرار لبنان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي الأردني، حيث تخشى المملكة الهاشمية من أن يؤدي تفكك الدولة اللبنانية إلى تعزيز ممرات تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود السورية المجاورة، وتنامي نفوذ الشبكات العابرة للحدود.

حضور الرياض وواشنطن: عودة الصياغة الاستراتيجية

يحمل التمثيل السعودي والأمريكي في المؤتمر رسالة بالغة الأهمية؛ فالرياض، التي تبنت لسنوات مقاربة حذرة تجاه لبنان بسبب تنامي نفوذ القوى الموالية لإيران، تبدو اليوم منفتحة على دعم المؤسسات السيادية كمدخل لإعادة التوازن السياسي. من جهتها، ترى واشنطن في دعم الجيش أداة رخيصة التكلفة وعالية المردود لمنع السقوط الحر لبلد يقع على خط التماس المباشر مع الأمن القومي الإسرائيلي وجبهات الصراع الإقليمي.

الآفاق المستقبلية ومآلات الدعم المشروط

على الرغم من الأهمية الرمزية والمادية لمؤتمر باريس، فإن الرهان على قدرة المساعدات الخارجية وحدها في إنقاذ الجيش اللبناني يظل محفوفاً بالعديد من التحديات العميقة. فالجيش لا يعيش في معزل عن بيئته الاقتصادية والسياسية المأزومة، وتآكل القدرة الشرائية لرواتب الجنود والضباط يهدد بنية الانضباط العسكري على المدى الطويل.

في الختام، يمكن القول إن مؤتمر باريس يمثل “حقنة إنعاش مؤقتة” للمؤسسة العسكرية اللبنانية، لكنه لن يكون كافياً لصياغة حل مستدام ما لم يقترن بإصلاحات سياسية واقتصادية جذرية تعيد بناء مفهوم الدولة والمواطنة في لبنان. ويبقى السؤال الجوهري: هل ستنجح هذه الهندسة الدولية في الحفاظ على تماسك الجيش كشريك سيادي، أم أن تآكل الدولة اللبنانية بات أسرع من خطط ترميمها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *