عالم ودبلوماسية

صراع الظل الروسي في قلب أوروبا: تفكيك اختراق ألمانيا الأمني ومأزق «البديل» كطابور خامس

لم تعد الحرب الهجينة بين روسيا والغرب مجرد مناوشات في الفضاء السيبراني أو حملات تضليل رقمية عابرة للحدود؛ بل انتقلت بشكل متسارع إلى طور “التخريب المادي المباشر” في العمق الأوروبي. في هذا السياق، تأتي التصريحات المدوية للمستشار الألماني فريدريش ميرتس أمام البرلمان الاتحادي (البوندستاغ) لتكشف عن حجم الاختراق الأمني الحرج الذي تواجهه برلين، بعد إعلانه أن ألمانيا تفادت كارثة محققة “بمحض الصدفة” إثر إحباط محاولة هجوم على مطار ألماني جرى التخطيط لها مباشرة في روسيا. هذا التطور لا يمثل مجرد خرق أمني، بل يعيد صياغة مفهوم التهديد الوجودي للأمن القومي الأوروبي.

حرب الظل الروسية: من الهجمات الرقمية إلى التخريب المادي

تُظهر محاولة استهداف المنشآت الحيوية كالمطارات تحولاً استراتيجياً خطيراً في العقيدة العسكرية الروسية تجاه الدول الداعمة لأوكرانيا. فلم يعد الهدف إضعاف البنية التحتية الرقمية فحسب، بل إحداث شلل مادي مباشر وبث الرعب في صفوف المدنيين لتقويض الدعم الشعبي لكييف. إن اختيار المطارات كأهداف يعكس رغبة في ضرب شرايين الحركة والاقتصاد الأوروبي، وهي استراتيجية تقع في المنطقة الرمادية لـ “الحرب غير المتناظرة” التي يصعب معها تفعيل المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لغياب الإعلان الرسمي عن الحرب.

“إن تفادي كارثة في مطار ألماني بمحض الصدفة يكشف أن جبهة القتال لم تعد محصورة في شرق أوروبا، بل امتدت إلى البنية التحتية المدنية في قلب القارة.”

اليمين المتطرف كذراع جيوسياسي: حزب “البديل” في قفص الاتهام

لم يقتصر هجوم المستشار ميرتس على الجانب الأمني الخارجي، بل وجه سهامه مباشرة نحو الداخل، متسائلاً عن الدور الذي يلعبه حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف. واتهم ميرتس الحزب بتبني أجندات تخدم المصالح الروسية بشكل مباشر، واصفاً سياساته المناهضة للهجرة والداعية لتقويض الاتحاد الأوروبي بأنها تتقاطع مع استراتيجيات التفكيك الجيوسياسي التي يتبناها الكرملين. يطرح هذا الاتهام إشكالية معقدة حول تحول الأحزاب الشعبوية الأوروبية إلى “طابور خامس” أو أدوات تأثير غير مباشرة لروسيا، مما يهدد التماسك السياسي الداخلي لأكبر قوة اقتصادية في أوروبا.

أبعاد التغلغل الروسي في المشهد السياسي الألماني:

  • الدعم المتبادل: تبني حزب البديل لروايات موسكو بشأن الصراع في أوكرانيا والمطالبة بوقف تسليح كييف.
  • استغلال الاستقطاب: توظيف القضايا الحساسة مثل الهجرة والأزمات الاقتصادية لتعميق الشروخ الاجتماعية وتسهيل الاختراق الاستخباري.
  • التمويل والدعاية: الشبهات المستمرة حول تلقي منصات يمينية متطرفة دعماً لوجستياً وإعلامياً من شبكات مرتبطة بالكرملين.

معضلة الردع وتصدع جبهة الدفاع الأوروبية الداخلية

تواجه برلين اليوم مأزقاً استراتيجياً مزدوجاً؛ فمن ناحية، يصعب إثبات المسؤولية القانونية المباشرة للدولة الروسية عن عمليات التخريب الفردية أو الخلايا النائمة، مما يحد من قدرة ألمانيا على الردع العسكري أو الدبلوماسي التقليدي. ومن ناحية أخرى، فإن الاستقطاب السياسي الحاد الذي يغذيه صعود اليمين المتطرف يشل قدرة الحكومة على اتخاذ إجراءات أمنية صارمة دون اتهامها بتقويض الديمقراطية أو تسييس القضاء. هذا الشلل الداخلي هو بالضبط ما تسعى الاستراتيجية الروسية لتحقيقه: دولة مشلولة القرار، خائفة على أمنها اليومي، ومنقسمة على ذاتها سياسياً.

المآلات المستقبلية: نحو عقيدة أمنية أوروبية جديدة؟

تضع هذه الحادثة حكومة ميرتس أمام اختبار مصيري لإعادة صياغة العقيدة الأمنية للبلاد. من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تشديداً غير مسبوق في الرقابة على البنى التحتية الحيوية، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الاستخبارية الداخلية لمراقبة الأنشطة السياسية المتطرفة المرتبطة بالخارج. كما أن هذا التطور قد يدفع ألمانيا إلى قيادة حراك أوروبي لفرض عقوبات أكثر صرامة على موسكو في مجالات الأمن السيبراني والعمليات الهجينة، مع تسريع وتيرة عزل التيارات السياسية المحلية التي يُنظر إليها كأدوات اختراق خارجي. إن صراع الظل هذا سيتحدد من خلاله ليس فقط مستقبل الاستقرار في ألمانيا، بل تماسك الهيكل الأمني الأوروبي بأكمله في مواجهة التهديدات غير التقليدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *