اقتصاد ورؤية

أزمة الطاقة في تونس: عجز الكهرباء الهيكلي وسؤال الاستدامة والسيادة الجيواقتصادية

تواجه تونس معضلة استراتيجية متزايدة التعقيد في قطاع الطاقة، تتبدى في تقارير كشفت مؤخراً عن حاجة البلاد العاجلة لبناء أربع محطات جديدة لتوليد الكهرباء لسد العجز المتنامي في المنظومة الوطنية. ولا تعكس هذه الحاجة مجرد تحدٍّ تقني أو استثماري بحت، بل تؤشر على هشاشة هيكلية في أمن الطاقة القومي لتونس، في وقت يمر فيه الاقتصاد الوطني بمرحلة دقيقة تتطلب ضمان استقرار إمدادات الطاقة كشرط أساسي لدفع عجلة النمو والجذب الاستثماري.

عجز القدرات الإنتاجية: إكراهات البنية التحتية وتحديات التمويل

يعاني الشابك الكهربائي التونسي، الذي تشرف عليه الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG)، من ضغوط متزايدة جراء تقادم المحطات الحالية وارتفاع معدلات الاستهلاك الخاطف خلال ذروة الصيف. ويتفاقم هذا العجز الهيكلي بفعل الضغوط المالية التي تواجهها المالية العمومية، مما يعوق قدرة الدولة على ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة ومتواصلة لإنشاء محطات جديدة.

«إن الأمن الطاقي التونسي لم يعد مجرد ملف خدمي، بل أضحى محدداً محورياً للاستقرار الاقتصادي والأمن القومي في مجمل حوض البحر الأبيض المتوسط.»

وتتجلى خطورة هذا الوضع في الاعتماد المفرط للبلاد على الغاز الطبيعي لتوليد نحو 95% من الكهرباء، حيث يقع الجزء الأكبر منه تحت وطأة الاستيراد وتقلبات الأسعار العالمية، مما يرهق الميزانية العامة ويضع السيادة الطاقية على المحك.

التوازنات الإقليمية: بين التبعية للغاز والربط الأورومتوسطي

على الصعيد الجيوسياسي، يرتبط ملف الطاقة التونسي بشبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية:

  • الارتباط الإستراتيجي بالجزائر: تعتمد تونس بشكل رئيسي على واردات الغاز الطبيعي من الجزائر، إضافة إلى أنبوب الغاز العابر للقارات (ترانس ميد) المتجه نحو إيطاليا. وبينما يمنح هذا الارتباط تونس هوامش استقرار أمني وفني، فإنه يعزز في الوقت ذاته التبعية الطاقية لدول الجوار.
  • مشروع الربط الكهربائي (ELMED): يمثل مشروع الربط البحري للكهرباء بين تونس وإيطاليا حجر الزاوية في الرؤية المستقبلية لربط شمال أفريقيا بالشبكة الأوروبية. غير أن الاستفادة الكاملة من هذا المشروع تتطلب قدرة إنتاجية محليّة قوية ومستقرة تسمح لتونس بالتحول إلى مركز للتبادل الطاقي بدلاً من مجرد دولة ترانزيت.

التحول نحو الطاقات المتجددة: المخرج الاستراتيجي والأفق المستقبلي

فك الارتباط بالوقود الأحفوري

يمثل امتلاك تونس لمقومات عالية من الطاقة الشمسية والريحية فرصة تاريخية للفك التدريجي للارتباط بالغاز. إلا أن تجسيد هذه الإمكانات على أرض الواقع يصطدم بالبطء الإداري، وضرورة تحديث الشبكة الوطنية لتستوعب الطاقات المتغيرة، فضلاً عن الحاجة لشراكات دولية متوازنة تضمن نقل التكنولوجيا وتوفير التمويل الأخضر بشروط ميسرة.

آفاق المستقبل: سيناريوهات الخروج من العجز الطاقي

إن الإسراع في إطلاق مناقصات وبناء محطات التوليد الأربع لا يحتمل التأجيل. ويتعين على صناع القرار في تونس تبني استراتيجية مدمجة تعتمد على شقين متوازيين: الأول استجابة عاجلة لتحديث البنية التحتية الأحفورية لضمان الاستقرار الفوري للشبكة، والثاني تسريع التحول نحو الطاقات النظيفة بالتعاون مع الشركاء المتوسطيين والأوروبيين. إن نجاح تونس في إدارة هذا الانتقال الطاقي سيكون الفاصل بين الحفاظ على استقلالها الاقتصادي أو الانزلاق نحو ارتهان طاقي جديد يعوق آفاق التنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *