إعادة تشكيل القوة الناعمة المغاربية في جنوب أوروبا: دلالات إطلاق دار «ميتيك» في مارسيليا وأبعادها الجيوسياسية والثقافية
شهدت الساحة الثقافية والفكرية في ضفتي البحر الأبيض المتوسط حدثاً لافتاً تمثل في إعلان الكاتبة والمحررة التونسية قمار الضوافي (Kmar Douagi) عن تأسيس دار النشر المستقلة «دار ميتيك» (Éditions Métèque) في مدينة مارسيليا الفرنسية. ولا يعكس هذا الحدث مجرد مبادرة ثقافية فردية، بل يحمل دلالات استراتيجية وعميقة تتعلق بديناميكيات القوة الناعمة، وإعادة توزيع مراكز الثقل الفكري بين شمال وجنوب المتوسط، ودور الشتات المغاربي في إعادة صياغة الخطاب الثقافي في الفضاء الأوروبي-المغاربي.
مارسيليا كحاضنة استراتيجية: إعادة رسم جغرافيا النشر والصوت البديل
تتمتع مدينة مارسيليا بخصوصية جيوسياسية وديموغرافية تجعلها العاصمة غير الرسمية للشتات المتوسطي والمغاربي في جنوب فرنسا. إن اختيار مارسيليا مقراً لدار «ميتيك» يحمل في طياته رسالة رمزية وسياسية واضحة؛ إذ تتجاوز الدار النمط التقليدي المتمثل في مركزية العاصمة باريس وصناعة النشر الهامشية، لتخلق فضاءً يتقاطع فيه الجنوب العالمي مع شمال المتوسط.
- كسر الهيمنة المركزية: إعادة توجيه الإنتاج الفكري من الهامش الجغرافي والثقافي نحو عمق الفضاء المتوسطي.
- تمثيل الشتات: توفير منصة تعبر عن تحولات الهوية للمهاجرين وأبناء الجيلين الثاني والثالث في أوروبا.
- تفعيل الحوار المتوسطي: خلق جسر يتجاوز الرقابة والتجاذبات السياسية الضيقة بين دول المنطقة.
الخطاب ما بعد الاستعماري وإعادة صياغة التوازنات الفكرية
تركز الدار الجديدة على نشر الكتابات العابرة للحدود، والخطابات المناهضة للاستعمار، والأدب البديل. في ظل التوترات السياسية والصعود المتزايد للتيارات اليمينية في أوروبا وتصاعد الخطاب المناهض للهجرة، يمثل ظهور هذه المشاريع محاولة لإعادة الامتلاك الرمزي للفضاء الثقافي، والتصدي للهيمنة الفكرية السائدة.
«إن إنتاج المعرفة والمحتوى الأدبي من قبل أبناء الشتات المغاربي في أوروبا لم يعد مجرد نشاط إبداعي، بل أضحى أداة للتأثير الجيوسياسي وإعادة صياغة السرديات المتصلة بالتاريخ والهوية والعلاقات بين الضفتين.»
القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية العابرة للحدود
في الوقت الذي تتراجع فيه أدوات الدبلوماسية الرسمية في بعض الأحيان بسبب الخلافات السياسية حول ملفات الهجرة والأمن والطاقة، تبرز المبادرات الثقافية كـ قوة ناعمة موازية قادرة على بناء شبكات تضامن عابرة للحدود الوطنية. إن «إدماج أصوات الجنوب» في المشهد الثقافي الأوروبي يفرض إعادة نظر في المفاهيم التقليدية للشراكة الأورو-متوسطية.
أبرز الأبعاد الاستراتيجية للمبادرات الثقافية المستقلة:
- تنويع المسارات الدبلوماسية: خلق مسارات تحاور غير رسمية تشمل المجتمع المدني والمفكرين.
- إعادة تعريف الهوية المغاربية: تقديم رؤية معاصرة ومستقلة للهوية المتعددة في المهجر بعيداً عن التنميط الإعلامي.
- استدامة الجسور الاقتصادية والثقافية: خلق سوق مستحدثة للكتاب والترجمة بين ضفتي المتوسط.
آفاق مستقبلية: نفوذ ثقافي وتحديات الاستدامة
تواجه مشاريع النشر المستقلة في الفضاء المتوسطي تحديات هيكلية تمتد من التمويل والترويج إلى آليات التوزيع وسط منافسة شرسة من دور النشر الكبرى. ومع ذلك، فإن نجاح مثل هذه التجارب يظل مرهوناً بقدرتها على الاستفادة من التحولات الرقمية وشبكات التضامن العابرة للحدود. يظل إطلاق «دار ميتيك» مؤشراً على حركية ثقافية جديدة، تجعل من الشتات المغاربي فاعلاً استراتيجياً لا يمكن نسيانه في معادلة التوازنات الحضارية والسياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
