إعادة تشكيل الفضاء السياسي التونسي: استبعاد الأحزاب من “إطار التنسيق” ودلالات التمايز المدني
مقدمة: مخاض جديد وإعادة رسم حدود الفاعلية السياسية
يشهد المشهد التونسي تحولاً لافتاً في ديناميكيات العمل الجماعي، يتبدى في الإعلان عن إطلاق “إطار التنسيق” الموجه لنشطاء المجتمع المدني والهياكل النقابية والحقوقية، مع الاستبعاد الصريح للأحزاب السياسية من عضويته. يأتي هذا التطور في لحظة فارقة تتسم بإعادة تعريف حدود الفاعلية السياسية والمدنية في البلاد، ويعكس رغبة أطراف مدنية واسعة في النأي بنفسها عن التجاذبات الحزبية التقليدية التي اتسمت بها مرحلة ما بعد 2011.
إبعاد الأحزاب: قطيعة مع منظومة الاستقطاب أم أزمة التمثيل الحزبي؟
إن قرار النأي بـ “إطار التنسيق” عن المكونات الحزبية ليس مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل يتضمن دلالات استراتيجية وعميقة تشير إلى وجود أزمة ثقة مستفحلة بين قواعد المجتمع المدني والأحزاب السياسية بمختلف أطيافها. وتتعدد أبعاد هذا القرار لتشمل:
- فقدان المشروعية الشارعية: تزايد قناعة القواعد المدنية بأن الاستقطاب الحزبي الحاد ساهم في شل مؤسسات الدولة وتأزيم الوضع الاقتصادي والاجتماعي خلال العقد الماضي.
- البحث عن آلية ضغط مستقلة: يسعى المجتمع المدني إلى استعادة دوره العضوي كقوة اقتراح ونقد مستقلة عن الأجندات الانتخابية والصراعات على السلطة.
- التكيف مع الواقع الدستوري الجديد: يتوازى هذا التوجه مع المسار السياسي المعتمد منذ يوليو 2021، والذي يهمش دور الأحزاب لصالح التمثيل المباشر والبناء القاعدي.
“إن إبعاد الأحزاب السياسية عن المبادرات المدنية الجامعة يعكس تحولاً هيكلياً في أدوات التأثير، حيث يسعى المجتمع المدني التونسي إلى إعادة بناء كتلته الحيوية بعيداً عن أعباء الاستقطاب الأيديولوجي.”
التوازنات الإقليمية وموقع المجتمع المدني في التحولات الديمقراطية
يمثل المجتمع المدني في تونس، تاريخياً، صمام أمان وحجر زاوية في حفظ التوازنات الوطنية، وهو ما توج بحصول الرباعي الراعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام عام 2015. غير أن المرحلة الحالية تفرض معطيات جديدة؛ إذ يُنظر إلى التغيرات الداخلية بريبة من قبل الشركاء الإقليميين والدوليين الذين يتابعون عن كثب مدى قدرة القوى المدنية على الاستمرار في الاستقلالية وتفعيل التعددية.
من جانب آخر، قد يؤدي عزل القوى الحزبية وتهميشها المزدوج -من السلطة القائمة ومن المنظمات المدنية- إلى تجريف العمل الحزبي المنظم، مما قد يفتح المجال أمام حالة من الفراغ السياسي أو صعود حركات غير منتظمة يصعب التنبؤ بسلوكها مستقبلاً.
آفاق ومآلات: سيناريوهات المشهد المدني والسياسي التونسي
تقف تونس اليوم أمام خيارات مفصلية في التعاطي مع التوازنات الجديدة بين السلطة والمجتمع المدني والأحزاب. وتتجسد أبرز السيناريوهات المستقبلية فيما يلي:
- نجاح التشكل المدني الجديد: تمكن “إطار التنسيق” من صياغة أوراق عمل وازنة تفرض نفسها كطرف محاور للحكومة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والحريات.
- تعميق التشرذم السياسي: استمرار حالة الجفاء بين المجتمع المدني والأحزاب قد يضعف الجبهة المعارضة ككل، ويسهل على السلطة تنفيذ خياراتها دون معارضة صلبة وموحدة.
- إعادة إنتاج التفاهمات: التوصل لاحقاً إلى الصيغة المرنة لتنسيق غير مباشر بين المكونات المدنية والحزبية لمواجهة التحديات الاقتصاديّة والاجتماعية الضاغطة.
في الختام، يظل إبعاد الأحزاب عن التكتلات المدنية الوليدة مؤشراً حاسماً على إعادة هيكلة الفضاء العام في تونس، حيث تتداخل رغبة الشارع في القطيعة مع النخب القديمة مع تحديات الحفاظ على التعددية واستقلالية الهياكل الوسيطة.
